الخميس، 19 أبريل 2018

لعنةُ أوزانِ الخليـل



في لحظة جنونٍ قررَتْ صديقتي أن تنظمَ أبياتًا تصف فيها مشهدا عابرًا لا يتعدى الدقيقةَ الواحدة، فاستفتحت أبياتها بنداءٍ بائسٍ قائلة: "ألا يا موليًا ظهرًا إلينا!"، هذا الشطر الذي بات بعد ذلك كلعنةٍ تلتصق بظهرها، ويبدو أن من الصعب جدًّا الشفاء منها في الأيام القليلة القادمة، يتكرر المشهد كثيرًا وبصورة مخيفة ومضحكة في آنٍ معا، وفي كل مرة أصرخ بوجهها: هي لعنة البيت ما تزال تلاحقنا! فتبادلني ببتسامةٍ باهتة تحمل في طيّاتها أن"صه يا بليدة"!
آمنت صديقتي أخيرا بلعنة أبياتها، حينما تراءت لنا أن لعنةٌ أخرى تنبثق من البيت الأخير، وكأن النداءات التي قامت بصياغتها تسير أمامها وتسخر من محاولاتها العاثرة للظفر باستجابةٍ ما، أو حتى إيماءة بارِدة.

وقفتُ في يومٍ منَ الأيام أمام أحد المكاتب، وقررتُ أن أخلِّد وقفتي بشيء من الشعر فقلت بسخرية البائس: "قف بالمكاتبِ واسألن..." -أضع نصف شطرٍ وأتحفظ بالباقي لأسبابٍ وجدانيّة- ولكن من كان يعلم أني سأقف بعد ذلك البيت طويلا جدا أمام المكتب؟ وأن أياما أخرى ستأتي وأنا أمر بجانبه بخوف أزلي!؟ وأنّ قلبي كاد أن يقف مرارًا عند عتباته؟ وأن الكثير الكثير من الغباء سيحصل وأنا بداخله؟

صرنا نقتنع أكثر بعد كل تجربة أن ما نسجناه بمخيلة الفكاهة استحال إلى مواقف حقيقية تعبث بمشاعرنا وتتلاعب بأعصابنا.
فقررنا أن ننأى عن النظم قليلا، وصرنا نترنّم بقصيدة لأبي فراس الحمداني مطلعها: كيف السبيل إلى طيفٍ يزاوره :: والنوم في جملة الأحباب هاجره
وقد علقت بأنفسنا استفهامات كثيرة تبتدئ بكيف، ولا تنتهي بلماذا!
لم يقنعنا الطيف، وذهبت عنا لذة الوسن.. وخذلنا الصبر ورافقت ليالينا الدموعُ الحارة، درسنا عروض الخليل، ولدينا مخزون لا بأس به من الشعر، بأيدينا مفاتيح البلاغة، نحتسي علوم النحو كشراب عذب، وتلاحقنا القصائد ككل شيء مخيف يتربص بحياتنا واستقرارها.

الثلاثاء، 10 أبريل 2018

دقائق قلقة





كان خوف اللحظة ينقب جدران روحي، يأكل كلَّ شيء فيَّ إلا الندم، وكنت كنقطة سوداء في وسط يكتض بضجيج الأصوات والحركة. أسمّر عيني للأمام في محاولة عاثرة لاستقامة الرؤية من عينين بلّوريتين بفعل الدموع، تزداد خفقات قلبي بعلاقة عكسيّة مع انخفاض قدرتي على التوازن، أتوقف للحظات حتى أتمكن من التقاط أنفاسي المتقطعة، يخذلني الإنهاكُ من التنفس بطريقة طبيعية، أختنق، وتتكاثف الدموع في عيني أكثر، عبثًا أمنع هطولها القوي بـ: أن قاومي قليلا، ليسَ الآن! ، وأجمع من ذاكرة المحن شيئا من المواساة الآنية، أشد على موضع النزع في قلبي، احتجت ليدٍ ثالثة حينها ولم أجد!
صرت أذرع المكان ذهابا وجيئة بخطى غير ثابتة، وجسد هش تكاد تسقطه الرياح لولا الجدار على يساري، لازالت تلاحقني عينا الأستاذة الغاضبة، وترمقني عينا أمين المكتبة باستغراب، وتقفز في رأسي أسئلة أستاذي المكررة والتي لا أجيبه عنها دائما؛ لجة سحيقة وهدوء مهيب تحتدم المعركة بينهما داخلي، وبينما تقلّبني تلك التضادات كقشّة عبثت بها رياح الربيع المزعجة، كانت نشوة شجنٍ عذبٍ تنساب إليَّ بوداعة، تحكم قبضتها، يفتر معها الصراع شيئا فشيئا، وتنتابني معها رغبة بالكتابة لا يمدها قلبي بعاطفة ولا عقلي بخاطر.
حاولتُ أخيرًا التّنصّل من تخبطات حالتي الفجائيّة واللحاق بامتحاني الذي مضتْ عليه بضع دقائق وأنا أتمتم بالدّعاء سائلةً الله – عزّ وجلّ- أن يمنح قلبي طمأنينةً تنجيه من هذه اللّجة التي تكاد تفتك به؛ وما أن دخلت الامتحان حتّى بدأ المطر في الهطولِ بغزارة، وتنبعثُ في القاعة رائحته العبِقَة؛ وقد سكن القلبُ واستفاقت "ملءَ روحي رعشة البكاء"، ولولا أنّ المطلوب منّي ذكر الشّروط الموضوعة لترخيم المنادى لكتبتُ أبيات "أنشودةِ المطر" للسيّاب في الورقة وعشت في جوّها، هذه القصيدة الّتي طالما عزفتْ على أوتار مشاعري، وسكنتْ قلبي وفجّرت ينابيع إلهامه، لازالت ترافقني دهشتها حتى هذه اللحظة الغريبة من نوعها في حياتي الرتيبة جدًا، كنتُ كمن امتزج كيانه بالمطر وحلّق خارج المكان، وكأن كلّ تلك اللجة ما كانت إلّا تمهيدا لاستكانة بهيّة، وطمأنينةٍ رهيبة.