الاثنين، 15 مايو، 2017

تذكرة عاشرة عبرَ محاضرات الأدب الأنلسي



لا أذكر كم مضى منَ الوقت على هجري للكتابة، إلى ترك سلواي الوحيدة في مواسم الحرب والخوض في عوالم مكتظة بالانشغالات الّتي لا تنتهي. أما ما يعيدني لها اليوم وبهذه اللّهفة هو خشية أن يتولّد عندي شعور طافح بالأسى إن لم أكتب، إن لم أحاول بأي شكل أن أحتفظ وبشكل دائم بهذه الصّفحة منَ الوقت.
انتابتني الفكرة مرارًا معَ رغبة جامحة للكتابة كنت أكبحها بـ"تريّثي المذاكرة أوّلا" وفي كل مرة أغادر فكرتي ولا تغادرني، أذكر جيّدا يوم قالَ الدكتور: اكتب تقريرًا عن محاضرات الأدب الأندلسي. كانَ قوله من باب التّوضيح لنقطة ما لا أكثر ولكنّه طرق باب فكرتي المشاكسة الّتي ماتلبث حتّى تعود لتحدث ضجّتها في رأسي.
أصف كثيرًا ذاكرتي بالعطب لأنّها تسكب صورًا كثيرة عن مواسم الحرب، وعلى كل حال فإطلاقي مسمّى "مواسم الحرب" وليد هذه الفترة وأخالني تجاوزت تسميتي القديمة لها، ولسان الحقيقة يقول: ما تجاوزتُ شيئًا بعد!، ومن باب الوعد الّذي قطعته على نفسي وأخلفته بعدد أنفاسي بألّا أكتب عن الحرب، فإنّني سأتجاوز الحديث عنها في هذا المقام ولنعد للحديث عن الذاكرة؛ سقط منّي الوقت بالتّحديد متى عرفت الأندلس؟ متى شغفت بها؟، وإن كان منَ الصعب –قليلًا- توضيح أسبابي لسؤال ثالث هو "ولماذا شغفت بها؟" وإن لم أُسهب في سرد الحقيقة كاملة، لكنّي طالما شغفت بالكلمة العربيّة وبالنّاعمِ منها أوّلًا فإنّي قد عثرت في عوالم الأندلس على ملمسِ الكلمة النّاعم، وسماوات صافية، وعطور فاخرة لا تزيد تلك القطعة المنسيّة منَ الأرضِ سوى فتنة وجاذبيّة إلى سحرها.
وعلى الرّغم من حبّي للأندلس مذ دخلت عوالم القراءةِ والكتب فإنّ أستاذ المادّة ضعّفَ هذا الحبّ أضعافًا مضعفة، وعندما أتحدّث عن أستاذ مادّة الأدب الأندلسي فإنّي أتحدّث عن تذكرة عبور إلى أرضٍ غير الأرض، وزمانٍ غير الزّمان، ومهما نأت هذه الأرض وانتهت فإنّي  معه لا أملك سوى التّحليق في سماواتها والرّوح طيّارة، وأجوب أزقّتها والنّفس سيّارة، والخوض في تفاصيلها حرفًا حرفًا، وفاصلة فاصلة، وأكاد أقول أنَّ كلّ نفَس يلفظه الأستاذ خلال المحاضرة هوَ بطريقةٍ ما يخصّني.
إنّه يشبه كثيرًا السّحابة الممطرة الّتي تهطل على أرض جرداء فتنبعث فيها الحياة وتخضرّ، ومثلما هي الأمطار حياة الأرض، فقد زرع هو حياةً داخل المادة! ومن نعم الله علي أن رزقني بهذه السّحابة في هذا الوقت بالذّات.
كنت أحدّث نفسي كلّ مرة عن حجم الخجل الّذي سينتابني إن دخلت إلى محاضراته متعبة، أو أن تعروني أعراض التّذمر، ولكنّه لم يتح مجالًا لهذه المشاعر أن تحضر، فرهبة عطائه الّتي يخالطها الحنان تسحبني للامتزاج بالنّصوص وتحليلها وعلى شفتيّ تدويرة على شك "واو" لفرطِ الدّهشة.
لم يكن كلّ ذلك يحدث لأجلِ تميّزٍ تصبو إليه نفسي دائمًا، ولكنّني وجدتُ التّميّز وليس مجرّد النّجاح وحسب هوَ فرض عين عليّ الظّفر به بكل ما أوتيت من قوّة، ولم يكن لأجل حبٍّ جبلت عليه نفسي إلى الكلمة العربيّة، لكنَّ المطر حينَ يهطل كانَ على الأرض أن ينمو زرعها ويتفتّح زهرها، وكذلك الدكتور رمضان ستجد أنّ مجهوداتك الّتي تبذلها بشغفٍ متوهّج هي امتنانٌ خجولٌ له، كالورود  الّتي هيَ رسالة الشّكرِ الخجولة منَ الأرض إلى سحاباتها الماطرة.

ولأنّه ليس دائما سيصادفك شخص يبعث الحياة في روحك، ويمنح جداراتك المهترئة القوّة للثّبات، ويخبرك بأنّ:"عواقب الرّاحاتِ أثمار التّعب" بأسلوبٍ يدفعك للغوصِ فيك حتّى أقصاك، وتجمع زادكَ للسّير من جديد.
ولأنّني سألتُ الله أن يمنحني الدّفء في حنايا الكلمة في هجرتي الطّويلة هذه، أن يمنحني بعضًا منَ الوطن في أزقّة الاغتراب، فإنّ الدكتور رمضان كانَ يشبه بنغازي، هكذا أفصحَ لي دون أن يشعر، وهكذا شعرتُ أنا دون أنْ أفصح.
وعندما تجد شخصًا مثله، ولن يحدث ذلك إلّا نادرًا، فتمسّك بكل حرفٍ منه، ولا تفرط بفرصة مجالسته وتخليده في ذاكرتك كوطن.

الخميس، 20 أكتوبر، 2016

رسالة إلى الله؛


،

حبيبي يا الله ..

إنّني في الصّلاة إذا ما استويتُ ساجدة، ثمّ هممتُ بسردِ حديثي الطّويل الحار إليك، أشعر أنّ هنالِك يد ممتدّة مِنَ السّماء إلى قلبي!
وقلبي مادُّ أُنمُلة، طامع أن يحظى بتلك اليدّ بأُنمُلَتِهِ الهشّة!
وفي كلّ رفع من السّجود، مع انطلاق -الله أكبر- من حلقِ عادَتي، تعود تلك اليدّ لتمتد "ألا انتشلي القلب من العتمة"!
ولكن يا الله! ماحيلة المادّ أُنملَة أمام يدٍ مِن نور؟
وحاجتي لهذه اليد يا الله! ضعف حاجتي للماء والهواء!
وإنّني أردد تلك الهمهمات بـ تعامق أثناء كلّ سجود، علّها على حين رجاء تمدّ ضغثًا فتتخطّف بنورها العتمة، وينجو القلبُ منَ اللّجة!

حبيبي يا الله..
إنّك وحدك العالم بعطب قلبي، ووحدك القادر على إصلاحه، فأصلحه لي يا الله، واكفني شرّ فراغه وعطبه، ومدّه بنورٍ من عندك يا ربّ النّور..؛

الجمعة، 2 سبتمبر، 2016

أيلول ..؛


،
لأيلول نشوَة خاصّة، بخرِيفهِ المُهمل، وأمطارِه الفَاتحة للشّتاء، عادَ يحملُ لقلبي هذه المرّة ذكريَات أكثَر حلاوة منَ السَّكاكِر، وأعمَق من قلمي الثَّرثَار الّذي تختبئ خلفَه الحكَايا ..
منَ المُؤسف حقًا أنَّ الحرُوف لا تصوغ التّفاصيل كمَا هيَ في صورتها، أو في شعورها الحقيقي!
فمثلًا كيف لي أنْ أقول: استيقظتُ صباحًا وقلبي يرفرفُ كحمامة شوق؟
هل منَ المُمكن أن تصِل ارتعاشَة قلبي للحروف؟
ثمّ هل يعرف أيلول أنّني أترقب المطر بشغفٍ مضاعف؟ وأنّ لا أحد يترقّبه مثلِي؟
وأنّ قلبي كالحمَام يرفّ شوقًا لما تُمطر؟
،
,
أيلول بنسماتِه الباردة يُغريني للانغماس، يتيح فرصة قلّما تأتي لينغمس الشّخص في نفسه، يلامِس قُعرها، يتخلّى عن منطِق الأشياء، يقطَع حبله المعقود بالواقع..
إنّ أيلول حين يعود؛ لا أعيش في شيءٍ غيره، أغرق في داخلي، أعوم في فضائي كمذنّب يسبح في الفضاء.

الاثنين، 11 يوليو، 2016

مدينة السّكاكر









،
حينما أكون في محاولة لاستحضار تفاصيل وذكريات بنغازي سابقًا -قبيل الحرب- أود لو يتبدّل صندوق ذاكرتي إلى سكاكر، بطعم اللّيمون والفراولة والبرتقال، ممم والكراميل والتّوت ونكهات كثيرة أحبّها، كل تفاصيلي تلك تتحوّل إلى سكاكر، أو إلى روائح عطور فاتنة أرشّها كلّ ساعة وساعة وأحتضنها في رئتيّ بسرعة لتتسرّب فى دمي!
كانت مدينة حقيقية طافحة بالحياة، بالحبّ والأحلام الكثيرة والمغامرات الحُلوة،
،
,
بنغازي في نظري، حتى في خرابها الأخير، في خيباتها الواسعة وأحزانها الّتي تكاثفت حتى نسينا من أين بدأت، وكيف تنتهي، لازالت تحمل صورتها الأولى والّتي كنت أبحث عنها بين ركام المنازل وجثث كثيرة بلا هويّة، بحثت كثيرًا عنها في وجوه المارّين بين الأزقة، كلهم كلهم كانو بلا ملامح، تائهون في زخم الحرب، كانو يجاورون الموت يلقون عليه التحيّة كثيرا، أكثر من التحايا الّتي يلقونها فيما بينهم، بحثت كثيرا عن مدينة السكاكر الأولى، بحثت حتى ضاعت ملامحي أيضًا وصافحت الموت بحرارة!
 ثمّ حدثَ وأن أصبحت أنا والموت أصدقاء، أكتب عنه كثيرًا وكأنّ في الكتابة عنه مهاودة للحياة، نسيت السكاكر الّتي كنت أريدها، وتجاوزني الموت، تاركًا لي بضع محاولات للإنسجام مع حزن عميق حدّ التآلف وبكاء أنيق على الورق؛

ثمّ أخيرًا، أقصتني بنغازي، كما أقصت كلّ السّكاكر، ولم تمنحني قضمة أخيرة من تفّاحها، أقصتني بعيدًا خالية من كلّ شيء، إلا من صندوق ذاكرتي المثقوب برصاصة، يسكب تفاصيل تصفعني في مؤخرة رأسي، تعلّقني بين مطارات مدن كثيرة، دون أن تمنحني لحظة إستقرار واحدة!

الاثنين، 6 يونيو، 2016

تأمّلات قارئة صغيرة




بعض النّصوص تظلّ علامة فارقة في حياة كلّ قارئ!
ولسببٍ ما تتعدّى هذه الكلمات كونها محض حروف مرتّبة بطريقة بلاغية، أو تسلسل أنيق متناسق معَ سياق نصّ متكامل، بل تتحوّل أحيانًا إلى غيمة ماطِرة تهْطِلُ على القلبِ! أو كطَبْطبة يَدّ دَافِئة عَلى كتفٍ مُنهك وحيد، وأحيانًا تنْكأ جِراحًا غائِرة، ومعَ ذلك يَسْتقر وَقعُها في بؤرة القلبِ والذّاكرة..؛
فمثلًا: بالرّغم من لغة براء السراج البسيطة في كِتابهِ - ولا أخفيكم إنّي انزعجتُ في بدايات قارءتي له - إلّا أنّني الآن لا أستطيع وصفَ وقع كلّ حرف ممّا كتَبَ في عقلي وروحي!
بل أصبحَ كتابهُ ملاذًا لروحي كلّما ضاقت بي ضائقة في الحياة؛ وأيضًا يعود نفس الْأمر في رواية ألف شمس مشرقة، وإنْ كَانت هذه الرّواية تنكا جِراحًا كثيرة - ولولا مرافَقة أحدهم لي في قراءتها – لا أردي حقيقة أينَ كانت ستأخُذني بمأساتِها!
،
,
ومن جِهة أخرى ثمّة كُتّاب سماويّي الكلِمات، لا تكاد تعرف إن كانت عيناك تقرأ لَهُم أم تَلْتهِمُ حروفَهُم التهامًا؛ وأنا أعتَرف بأنّي أنانيّة جدًا معَ هذا النّوع والّتي كانت بدايته معَ "حجي جابر"،
وما أشدّ حاجتنا اليوم إلى أصحاب الحروف السّماوية، و أصحاب الكلمات النَّابعة مِن صدور قرآنيّة، المُمتدّة منْ حُقول السّلام، أصحَاب الْمَعاني الّتي ترتكِزُ عَلى الخَيرِ والحقِّ، أهل الجّميل، وسُلالةِ النُّبلِ، ووجهِ الحَياة، كنصوص الرّافعي،وروايات المنفلوطي، وكُتب الطنطاوي وسيّد قطب وابن القيّم وغيرهم ..؛

أولَئك نحتَاجُهم بحقّ!، ولَم يكُ لنَا أنّ نهجرَ سماءَهُم، ولَيسَ بوسعي –أنا- إلّا أن أحتفِظَ بتفاصيل كلّ الاقتباسَات الّتي لامسَت روحي، أن أتنفّسها كعطر فاخِر، ربما لأنّها لم تَعُد مَحْض كَلِمات بالنّسبة لي، بل رموز وصوّر ورائحة لذكريات فاتِنة، كـ" ماجدولين " مثلًا ..؛

الأربعاء، 4 مايو، 2016

حديث صباحي!




،
,

وفي نهاية كلّ مطاف ستجد أنّ فيك أشياء مكدودة بفعل الحياة، وحينما تتوقف لتأخذ أنفاسك ستكتشف أنّك مليء بالثقوب والرّتوش الّتي لا تنتهي،
سيمر عليك زمنٌ تتماهى فيه وجوه المارّة، ولن تعرف في أي درب ستمضي، سيخذلك كلّ شيء حتى ظلّك، ووجهك في المرآة لن يكون أنت،
ثمّ إنّك أخيرًا ستتعايش معَ وجعك، سيصبح نصفك الّذي يكمّلك، ومواسم الافراح الّتي ستمر بك لن تعرفَ كيفية الاحتفاء بها، ستكبر كثيرًا وتنسى كيف كنّا نفرح صغارًا ..؛

الخميس، 21 أبريل، 2016

" إن لَم يكُن بكَ عليَّ غضبٌ فلا أُبالي"!

حينما هممتُ لقراءة هذا الكتاب "الرّحيق المختوم" ، لم أكن أدرِ أنّني أمام أبواب لعوالم واسعة منَ الشّعور ستُفتَح ولن توصد بعدها ثانية!
عشتُ معه حرفًا حرفًا، مقطع مقطع، وكلمة كلمة .. ولا أنكر أنّه الكتاب الوحيد الّذي بكيتُ بسببه يومين عندَ اقترابي من خطبة الوداع؛ والكتاب الثاني الّذي أعيد قراءة صفحاته مرة واثنان وحتى ثلاث مرات بنهم!
كانَ بالنسبة لي، دليلًا ومفتاح لكثير مِنَ الحيرة، والشكّ ..
لي معه ذكريات بألوان الطيف في قوقعتي ببنغازي، وما أدراكم ما قوقعتي!
،
.
حينما مررتُ بهذه الفقرة بالذات، - ويعلم الله – كم يعزّ عليَّ هذا الدّعاء وأحبّه، ولكن كانَ لقراءتهِ هذه المرّة لذّة تختلف ..
ذكرتني بالأبيات  "فيا ليت الذي بيني وبينك عامرٌ :: وبيني وبين العالمين خرابُ " !
أذكر تلكَ الفكرة والّتي طافت على ذهني للمرّة الاولى، وهيَ تلكَ "العكّازة" الّتي يتوكّؤها القلبُ!
فيصبحُ ويُمسي دون أن تزعزعه الدّوائر، بمنأى عنِ النّاسِ أجمع، وعن كلِّ أذى ..
يستمدُّ كلّ قوته من "رضى الرّحمن" وحده .. وهذا هوَ المعنى لقولِهِ – صلّى الله عليهِ وسلّم - " إن لَم يكُن بكَ عليَّ غضبٌ فلا أُبالي"!


وفي حقيقة الأمر، دافئة دافئة هذه الكليمات ..؛
ومعَ هكذَا وقفات لا يُجدي إلّا الحبّ فعلًا :")
،
,
على الهامش ..


حينَ أعدتُ الكتاب على الرّف وذهبتُ أستعير من عمّي كتاب "صور مِن حياة الصّحابة" وكنتُ وقتها لازلت فوقَ سحابة لم تنزل بي على الأرض .. قلتُ له: "ليتني ولدتُ في ذلِك الوقت منَ الطّهر"، فكان ردّه السّاخر كمحطة هبوط عن تلكَ السّحابة وحطمَ شعوري بـ "ليتَ" تلك قائلًا: " عاجبك بتقعدي زي سجاح، ولا مسيلمة الكذّاب" !!